فمن ارض دلمون⁠.. ارض الحضارة⁠.. الى عز الشرق وأقدم مدينة مأهولة في العالم تواصل اليوم بالأمس والغد⁠.. وتتابعت الوشائج⁠.. فكان الانجاز⁠. انسانا حضاريا يقف بشموخ نحو المستقبل ويستند الى ماض عريق هو مصدر فخر واعتزازحرب ضد العرف والمنطق نسعد⁠، ونصاب بداء الفرح الكبير⁠، نرقص ونغني طرباً وعزاً حين يصدر اعلان هنا وهناك بين حين وحين⁠، يعلن عن قيام وحدة او اتحاد بين دولة عربية واخرى او بين مجموعة دول عربية في الوطن العربي “⁠;الحلم”⁠;.

ولا ادري لماذا هذه الامة بالذات⁠، تصاب دائما بخيبة الامل⁠، وفقدان الذات بل فقدان العقل والمنطق⁠. فكل هذا الى يجرى على الساحة العربية “⁠;من المحيط الى الخليج”⁠; ليس له مبرر سوى اننا أمة تلهث وراء الاقتتال والافتراق وان الوحدة العربية “⁠;الحلم”⁠; ليست سوى امر ندعيه بانفصام شخصيتنا العربية المتهرئة بروح الهزيمة والتراجع الى عهود التخلف⁠.

بعد وحدة عرجاء ولكنها مباركة في كل الاحوال⁠، ولم يمض عليها سوى اربع سنوات جمعت شمل شعب عريق في دولة واحدة لأول مرة منذ نحو خمسة قرون⁠، تأتي المعارك المجنونة لتبدد جميع الانجازات في وقت كانت اليمن تنتظر وتتهيأ -بعد اكتشافات النفط- لان تصبح دولة عصرية وحضارية ووحدوية بكل المقاييس⁠.. لكن الاهتزازات الكثيرة والكبيرة حالت دون تحقيق ما يصبو اليه الشعب اليمني⁠.

لا يوجد هدف لهذه الحرب المدمرة سوى مغامرة تطمح لاخضاع الجنوب للشمال او الشمال للجنوب⁠، وهو سير ضد العرف والمنطق السائدين⁠، ولا يمكن لاي جانب ان يحقق نصراً⁠. الحرب المتفجرة في اليمن ادخلت المنطقة في دوامة اخرى جديدة من العنف وعدم الاستقرار⁠، ونحن لانزال لم نتنفس الصعداء حتى هدأت لبنان والجزائر والسودان والعراق⁠، لتتفجر من جديد بؤر الصراعات والحروب⁠..

هكذا نحن امة العرب⁠.. كأننا لا نريد ان نتعلم الدرس ابدا⁠.. كأن احدا منا لا يريد ان يجعل في عقله مكانا للرأي الآخر⁠.. للتفاهم⁠.. للتلاقي⁠.. للحوار الحضاري⁠. كنا ننشد ضمانا لوحدة الاوطان⁠.. واليوم اصبحنا ننشد ضمانا لأرواح ابناء الوطن الواحد ومكتسباتهم الحضارية والاقتصادية فقط⁠..

فلتذهب هذه الوحدة “⁠;القسرية”⁠; الى الجحيم اذا كانت ستأتي على ظهر دبابة او بقوة المدفع والبندقية⁠. اليوم⁠، ليس هناك دعاء ولا امل غير ان يتوقف الاقتتال والعودة الى الحوار⁠.. فهل من يستمع الى دعوات تغليب صوت الحكمة والعقل الآن⁠.. نأمل ألا يطغى هدير المدافع على هذه الدعوات لتجنيب اليمن الدمار وازهاق ارواح ابنائه⁠.

ان ما وصلت اليه الامور من تصعيدات عسكرية مخيفة⁠، يتأكد القول بانه لا يمكن لاي طرف من طرفي النزاع ان يفرض الوحدة “⁠;القسرية”⁠; على الطرف الآخر⁠.. فتفادي الكارثة لن يأتي بالحسم العسكري ويصيغه غالب ومغلوب⁠، او منتصر ومهزوم⁠، فبقاء الوحدة ليس اهم من وقف القتال الذي ينبغي ان يكون النقطة الاولى للانطلاق نحو الاستقرار⁠، ومن ثم تأتي الوحدة بصيغها المختلفة حيث يرضى بها الجميع دون استخدام اسلحة الموت والدمار⁠.