ربما يكون ما يقدمه الينا “⁠;الحسين ”⁠; اليوم بالذات⁠، وفي المناسبة الاولى للغزو العراقي للكويت اسطع مثل على اين يقع الحق واين يقع الباطل⁠.. رغم المسافة الزمنية⁠.. ورغم اسقاط واقعة الغزو على واقعة كربلاء⁠.. فليس فقط الفرق في مدى سنوات وقوع الحدث⁠.. ولكن في تقاطع الدلالات⁠.

وربما تكون ثورة الحسين طوال العقود التي مضت من أكثر مشاهد الحق الذي لا ينفصل جوهره عن القائمين به⁠، فالرجل رجل الحق⁠، والقضية قضية حق⁠.. ولكن رغم سطوع هذ الحق⁠.. الا ان ما حدث كان انتصارا للباطل المؤقت لكي يضاء الحق المضاد له والدائم على مدى العصور⁠. وفي تلك الايام السوداء ايام الغزو⁠..

وعندما اختلط الباطل بالحق⁠، ولم يكن الرجل⁠.. رجل حق⁠.. ولا القضية قضية حق⁠، واختلطت الاوراق⁠، واختلطت الرؤى⁠، وعاث الفساد⁠، ولم يضرب الناس حجر الصوان بالصوان لكي تشتعل النار بحجر الحق⁠.. ولكن ضرب التراب بالتراب⁠.. فأثار السراب والغفلة في عيون البشر⁠. ولو قارن من اراد معرفة الحق من الباطل⁠، والرجل من الرجل⁠، والشعار من الشعار⁠، والحق الذي يراد به باطل⁠، والباطل الذي يراد الباس الحق به⁠، لتمعن وتبصر فيما قدمه لنا الحسين⁠، وما قدمه استشهاده من حق ليس له ولا لقضيته بل لكل عصر⁠، وامتحن حجر الحق بالحق⁠..

وليس التراب التراب⁠. وبالتالي لم يكن للذي يطلب الحق والرؤية الصائبة في عتمة سواد احداث الكويت⁠، الا ان يعيد استقراء ملحمة كربلاء⁠.. ويستعيد احداث الكويت⁠.. ويقارن⁠.. ما يجمع بين الحدثين⁠.. وبين ما يفرق ويعطي من دلالات⁠.. وحتى يتضح ما نتبع من حق⁠.. وما نتجنب من باطل⁠، ليس بأخذ اشكال الكلمات⁠، أو الدلالات الظاهرية للعبارات⁠، ولكن بقدر ما تضئ او تعتم على واقع الحقيقة وجوهرها⁠.

الحسين خط لنا خطا واضحا لتوافق دلالات الكلمات مع جوهر الحق⁠، وخط لنا بعدا جوهريا ما بين الحق ذاته مع الرجل قائله ومطبقه واقعا⁠، وما بين الرجل والحق والقضية ذاتها⁠، وعمدها بدمه ليكون الحق حقا على مدى السنين⁠. وما بين تلك الدلالات التي تضئ لنا جوهر الحق على مدى الازمنة⁠، وما بين ديماغوجية لغة الغزو والمكابرة⁠، وافراغ الشعارات من اشعاعاتها⁠، وصب اللغو في شكل المعاني لكي يجر الناس الى الحق الملبس بالباطل⁠، هو في النهاية الذي افرز لنا جوهر خداع الشارع العربي⁠.

إن كربلاء درس⁠.. وغزو الكويت درس⁠.. فضع صوان الحق مع الحق واضربهما معا تشتعل الشرارات التي تضئ طريق الحق⁠، والحق ليس مجرد كلمات⁠، ولكنه الحق الذي يجمع بين القائل وبين جوهر القضية⁠، حتى لا نتلبس الدجل السياسي المعاصر تحت لبوس الحق⁠.